الابداع والتميز شعارنا


    الأيام النظرة في شرح السيرة العطرة ( 6 )

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 434
    تاريخ التسجيل : 05/08/2010
    العمر : 31
    الموقع : وادي سوف

    الأيام النظرة في شرح السيرة العطرة ( 6 )

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أغسطس 11, 2010 12:52 pm

    السلام عليكم:


    تـابع ذكـر أزواجه - خدمـه - أفراسـه صلى الله عليه و سلم :

    الدرس السادس :
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مُرشدًا.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آهل وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه
    بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد .
    فهذا هو الدرس السادس من تعليقنا على الدرة المضيئة للسيرة النبوية للإمام المقدسي رحمه الله تعالى، وكنا قد انتهينا في ذكر أزواجه صلوات الله وسلامه عليه، وتكلمنا عن أكثرهن، ولم يبق لنا إلا الحديث عن زوجتين من أزواجه رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن.
    وكما جرت العادة استدراكًا لما كان بالأسبوع الماضي نراجع بعضًا مما ذكرناه , أن الله أبطل عادة منع الزواج بالتبني في زواجه صلى الله عليه وسلم من زينت بنت جحش، وقلنا إن زيدًا رضي الله تعالى عنه وأرضاه كان زوجًا لها، وأنها كانت تفخر عليه بأنها من قريش، ثم إنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يشتكي إليه زينب، فأنزل الله جلّ وعلا قوله في سورة الأحزاب ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴿36﴾ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ من المخاطب هنا؟ زيدٌ ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ هذا قول النبي الله عليه وسلم ﴿ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ ما الذي أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم والذي هو سيُبديه الله؟ زواجه من زينب، أي أن الله أوحى إلى نبيه أن زينب ستكون زوجةً له ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾ ما الذي خشيه صلى الله عليه وسلم من الناس؟ أن يقول الناس تزوج محمدٌ صلى الله عليه وسلم زوجة ابنه بالتبني [الأحزاب: 36، 37].
    كما أننا ذكرنا أن من أزواجه صلى الله عليه وسلم أم حبيبة، وأنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، وقلنا إنه فر بها من مكة إلى الحبشة فرارًا بدينه لكن وقع أنه تنصر، وقلنا هذا من أعظم أن يحرص الإنسان على الأعمال التي تجعل الإنسان يظفر بحسن الخاتمة، هذا بعضٌ مما ذكرناه .
    أما اليوم فإنا سنشرع إن شاء الله تعالى في قراءة المتن والتعليق عليه كما جرت العادة.

    ( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: صفية بنت حيي بن أخطب بن أبي يحيى ابن كعب بن الخزرج النضرية، من ولد هارون بن عمران – أخي موسى بن عمران عليهما السلام – سُبيت في خيبر سنة سبع من الهجرة، وكانت قبله تحت كنانة ابن أبي الحقيق، قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعتق صفية، وجعل عتقها صداقها، وتوفيت سنة ثلاثين. وقيل سنة خمسين )

    هذه صفية بنت حيي بن أخطب زوجة نبينا صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين، حيي ابن أخطب أحد زعماء يهود، ولما قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة رآه حُيَيٌّ فعرف أنه نبيٌّ، واليهود كانت تعرف النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما قرأت عنه في التوراة، وهي حدثت بعد ذلك –أي صفية– أن أباها وعمّها التقيا بعد أن رأيا النبي عليه الصلاة والسلام،فقال عمُّها لأبيها: أهو هو؟ –يسأل–، قال: نعم أعرفه بوجهه –أو بنعته–، قال: فما في صدرك له؟، قال: عداوته ما بقيت، وهذا مصداق قول الله جلّ وعلا: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ﴾ [البقرة: 89]،
    وقال تبارك وتعالى ﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ [البقرة: 146، الأنعام: 20]، أي أن أهل الكتاب يعرفون النبي عليه الصلاة والسلام لا يُخطئون في وصفه كما يعرف الرجل منهم ابنه، والرجل عادةً لا يُخطئ في معرفة ابنه. ثم إنه ذهب إلى خيبر في الإجلاء الأول وهو من بني النضير، فلما ذهب إلى خيبر وقعت معركة خيبر كانت تحت كنانة بن أبي الحقيق، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها بعد أن كانت في سبيه، فأصبحت أمةً له، فأعتقها وجعل عتقها صداقًا لها .

    واختلف العلماء رحمهم الله – من باب الفائدة الفقهية – هل يكون العتق صداقًا أو لا؟
    منهم من قال: إن هذا خصيصة للنبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال: إنه غير ذلك، والذي يعنينا في شرح السيرة هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها، وجعل عتقها صداقها سواءٌ كان هذا خاصًا به أو كان شاملا لأمته.وقد كانت جميلةً رضي الله عنها وأرضاها، وهي من ولد هارون بن عمران أخي موسى ـ على موسى وعلى هارون السلام ـ ، وقد أغضبتها بعض أمهات المؤمنين – وقد مر معنا هذا في الدرس الأول– فجاءت للنبي عليه الصلاة والسلام تبكي فقال لها عليه الصلاة والسلام ( بم تفخر عليك، فإنك ابنة نبي، وعمك نبي ) يقصد موسى ( وإنك لتحت نبي ) يقصد نفسه عليه الصلاة والسلام.ولما تزوجها عليه الصلاة والسلام في منصرفه من خيبر أراد أن يدخل عليها على مقربة من خيبر فامتنعت وأبت، ثم لما تقدم قليلا نحو المدينة قبلت ودخل عليها صلى الله عليه وسلم، فسألها عن المانع الأول فقالت: "خشيت عليك من اليهود"، مما يدل على أنه وقر في قلبها محبة الدين ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خشي أبو أيوب الأنصاري على نبينا عليه الصلاة والسلام يوم أن دخل عليها فبات يحرصه خوفًا أن يكون بها شيءٌ من غدر يهود وهو لا يعلمها، ثم تبين مدى حبها لنبينا صلى الله عليه وسلم وحسن إسلامها، وبقيت كذلك حتى توفاها الله جلّ وعلا، فهي زوجة نبينا في الدنيا والآخرة رضي الله عنها وأرضاها.
    ( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير ابن الهرم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية، وهي خالة خالد بن الوليد، وعبدالله بن عباس، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف، وبنى بها فيه، وماتت به، وهو ماء على تسعة أميال من مكة، وهي آخر من تزوج من أمهات المؤمنين، توفيت سنة ثلاث وستين.فهذه جملة من دخل بهن من النساء، وهن إحدى عشرة، وعقد على سبع ولم يدخل بهن ).
    هذه ميمونة بنت الحارث الهلالية أخت أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب، فالعباس رضي الله عنه وأرضاه عم النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف منها الصلاة والصيام والقيام؛ فأشار على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها، وهي أخت زوجته، أخت أم الفضل، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في مُنصرفه من عمرة القضاء في وادٍ يُقال له سَرف على وزن كَتف، وهو وادٍ في مكة، في طريق المدينة
    الخارج من مكة إلى المدينة بعد النوارية بقليل يأتي وادي سرف، وهو الآن معمور به بقالات ومحطات تأتي على يمنك وشمالك، هذا الوادي هو وادي سرف الذي تزوج فيه النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث.
    وكان من فائدة زواجه بها بالنسبة للأمة أن عبد الله بن عبّاس رضي الله تعالى عنهما تُصبح هذه المرأة خالته فكان يبيت عندها، فإذا بات عندها يرى قيام النبي صلى الله عليه وسلم، فنقل عبد الله بن عبّاس كثيرًا من أخبار النبي عليه الصلاة والسلام لكونه يستطيع أن يدخل على خالته ميمونة بنت الحارث رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
    وقد ذكر المصنف أنها آخر أمهات المؤمنين موتًا –هذا على قول–، والقول الثاني أن آخر أمهات المؤمنين موتًا هي أم سلمة، إذًَا هناك خلاف في آخر أمهات المؤمنين موتًا هل هي ميمونة أو هي أم سلمة رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، هذا علمٌ تاريخي لا يتعلق به حكم، كما أنهم اتفقوا على أن زينب بنت جحش هي أول نساء النبي صلى الله عليه وسلم موتًا بعده، ماتت بعد عشرين سنة من وفاته صلى الله عليه وسلم، فهي أول نسائه لحوقًا به عليه الصلاة والسلام.
    يتحرر من هذا كله أمهات المؤمنين، وقد ذكر المصنف في آخر المقال أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على سبعٍ ولم يدخل بهن، وهذا بعيدٌ بعض الشيء، والأشهر أنه على خمس أو أربع ولم يدخل بهن، منهن من استعاذت به[1]، ومنهن من وجد في كشحها بياضًا، وأخريات لم تثبتهن كتب المصادر إثباتًا جيدًا، لكن الذي يعنينا أن النبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسعٍ من النساء، وكان يقسم –كما قلنا بالأمس– لثمان، لماذا؟ قلنا أن سودة وهبت ليلتها لعائشة رضي الله تعالى عنهن جميعًا وأرضاهن.
    في عصرنا الحديث ما شغّب المُستشرقون والطاعنون بالسنة في شيء كما شغّبوا في قضية أن النبي صلى الله عليه وسلم كيف يتزوج هذا العدد من النساء؟
    وهذا مما يطول شرحه لكن نقوله على وجه الإجمال، لو كان النبي عليه الصلاة والسلام يريد ما يفهمه الناس من زواجه من النساء لكان إلى الأبكار أقرب منه إلى الثيب، ومع ذلك لم يتزوج بكرًا إلا عائشة، ولم يُثني –يتزوج الثانية– إلا وقد جاوز الخمسين صلوات الله وسلامه عليه، وعاش قرابة ثلاثين عامًا مع زوجته خديجة وهي أكبر منه سنُّا ولم يتزوج عليها صلوات الله وسلامه عليه، وإنما تزوج لأمورٍ متعددة وأغراضٍ، منها ما يكون إبطالا لحكم جاهلي كزواجه من زينت، ومنها ما يكون نصرةً للدين، فإن العرب في عادتها وأعرافها السابقة كانت ترى أن الصهر يقرب بين بطون القبائل، فكان صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة له خصوم وأعداءٌ في القبائل فكان يتزوج حتى يكسر ثورة غضب واجتماع القبائل عليه حتى يكون له عندهن رحمًا وصهرا فيكون هناك نوع من الحمية بالنسبة لهن أن بناتهن تحت نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
    ثم إننا نقول إن هؤلاء الأمهات رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن صبرن على شظف العيش، فليس في الزواج منه صلى الله عليه وسلم متاعٌ دُنيويٌّ ظاهرٌ، وإنما المكسب العظيم في أنهن زوجاته في الآخرة، ولذلك كان بيت النبي عليه الصلاة والسلام لو رفعت يدك للمست سقفه، ولو اتكأت على أحد حائطه ومددت قدمك للمست الحائط الآخر من ضيق حجرات أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن.
    ثم إنهن كما قال الله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴿28﴾ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 28، 29]، فالنبي عليه الصلاة والسلام خيّر نساءه ما بين البقاء معه والصبر على شظف العيش في الدنيا؛ لأن الله خيره هو نفسه من أن يكون ملكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا فاختار العبودية، ولم يختر الملك كما اختارها داود واختارها سليمان عليهما السلام، فبقي صلى الله عليه وسلم عبدًا يشبع ويجوع، ويمرض ويصح، وتجري عليه أحكامٌ عديدة عليه الصلاة والسلام حتى أنه كان يظهر الهلال ثلاث مرات في الشهرين الهلال ثم الهلال ثم الهلال ولا يُوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيءٌ، فهو أكرم الخلق على الله، فلما سُئلت عائشة عن ذلك –عن طعامهم– قالت "الأسودان، التمر والماء".
    فلم يكن مما قاله المستشرقون شيء، وإنما صبرن أولئك الأمهات وقدمن نماذج إنسانية فريدة، ومنهن من اشتهرت بالصلاة والصيام، ومنهن من اشتهرت بحب المساكين، ومنهن من اشتهرت بالعلم، تنوع عطاؤهن حتى يستفيد المجتمع من قربهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنزل الوحي،
    ولذلك قال حسان يذكر حجرات أمهات المؤمنين ونزول الوحي عليها:

    بها حجرات كان ينزل وسطه *** من الله نور يستضاء ويوقد

    فخرجن أمهات المؤمنين يُحدثن بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوتهن، هذا ما يمكن التعليق عليه إجمالا، ونحن كما قلت من قبل مُقيدون بالمتن حول زواجه صلى الله عليه وسلم عليه وسلم من أمهات المؤمنين.

    ذكر خدمه صلى الله عليه وسلم :

    (أنس بن مالك بن النضر الأنصاري.وهندٌ وأسماءٌ ابنا حارثة الأسلميان. وربيعة بن كعب الأسلمي.
    وكان عبد الله بن مسعود صاحب نعليه،، كان إذا قام ألبسه إياهما، وإذا جلس جعلهما في ذراعيه حتى يقوم. وكان عقبة بن عامر الجهني صاحب بغلته، يقودها في الأسفار.وبلال بن رباح؛ المؤذن. وسعد، مولى أبي بكر الصديق.وذو مِخمر ابن أخي النجاشي، ويقال: ابن أخته. ويقال: ذو مخبر بالباء.وبكير بن شداخ الليثي، ويقال: بكر. وأبو ذر الغفاري ).

    هؤلاء هم خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أنهم قد أصابهم من الشرف ما لا يعلم قدره إلا الله، فإن الله سخرهم رضي الله عنهم وأرضاهم ليكونوا خدمٌ لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وقد علموا أيَّ شرفٍ يكتسبوه، فلذلك كانوا يفتخرون رضي الله عنهم بأنهم كانوا يخدمون النبي صلى الله عليه وسلم، فخدمته عليه الصلاة والسلام شرفٌ عظيم، وهؤلاء يتفاوت المهام التي أوكلها النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، والعاقل إذا تبوأ مكانةً يختلف اصطفاؤه للرجال من واحدٍ إلى آخر، فليس كل الناس يصلح لمهمةٍ واحدة، فقد يُحسن الرجل مهمة ولا يحسن أخرى، ولذلك تفاوتت مهام خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم.فأما أنس فهو الذي جاءت به أمه وجعلته وهو صغير ووهبته للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكون خادمًا له، وقد دعا له النبي عليه الصلاة والسلام بكثرة المال والولد فتحققت دعوته عليه الصلاة والسلام لأنس، ولما جاءت خلافة عبد الملك بن مروان وصلت الحجاج بن يوسف على مكة والمدينة آذى الحجاج بن يوسف أنسًا، فكتب أنسٌ رضي الله عنه إلى عبد الملك –وكان يومئذٍ أميرًا للمؤمنين– يشكو تسلط الحجاج بن يوسف عليه، وكان فيما كتبه أنس قال "لو أن رجلا من بني إسرائيل خدم موسى يومًا لعظمته بني إسرائيل، فكيف وقد خدمتُ نبينا صلى الله عليه وسلم عشر سنين"، فبعث عبد الملك إلى الحجاج يأمره أن يكف يده عن أنس.هذا أنسٌ رضي الله تعالى عنه، وقد كان أنس من مهامه يذهب في الحوائج اليومية، يغدو ويروح في الحوائج اليسيرة، وقد نقل لنا أنسٌ ما كان عليه الصلاة والسلام من خلق فقال "خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فلم يقل لشيءٍ لم أفعله لِمَ لَمْ تفعله، ولا لشيءٍ فعلته لم فعلته"، وهذا من جميل خلقه وكريم أدبه، وحسن معاملته صلى الله عليه وسلم من الأهل والخدم والموالي وسائر الناس.
    وممن خدمه عليه الصلاة والسلام عقبة بن عامر، وهذا كان يقود له البغلة، وهو الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم في أحد أسفاره لما هبت ريح أمره أن يتعوذ بالمعوذتين ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾ و﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ وقال ( ما تعوّذ مُتعوِّذٌ بمثلهما ).
    ومنهم بلال وهو مؤذنه، وهذا مشهور.ومنهم ربيعة بن كعب الأسلمي وكان من مهامه أنه يضع الوَضوء للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان يفعل هذا تطوعًا، فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يُكافئه فقال ( يا ربيعة سلني حاجتك ) ، قال: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة، ولقد وجد ربيعة من الشرف والحَظْوَة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والفخر بخدمته له في الدنيا ما جعله يتطلع لأن يكون رفيقه في الجنة، فقال له صلى الله عليه وسلم ( فأعني على نفسك بكثرة السجود )، فدل على أن كثرة الصلوات مما تجعل العبد قريبًا من جوار نبينا عليه الصلاة والسلام.
    ومن خدمه عليه الصلاة والسلام بُكير بن شدّاخ الليثي، وكان صغيرًا، وقد نقل الحافظ ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى عنه قصةً مفادها أن بكيرًا هذا كان يبعثه النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيوت أمهات المؤمنين، فلما بلغ واحتلم جاء للنبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله إنني بلغت مبلغ الرجال فلا تبعث بي إلى
    نسائك، فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من صدقه، وقال له ( اللهم صدّق قوله وبلغه الظفر )، فكانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مُتحققة فيه، فلما كانت ولاية عمر بن الخطاب رضي الله عنه وخرج المجاهدون في أصقاع الأرض يحملون لواء الدين، كان ممن خرج أحد الأنصار فترك زوجته، وكأن الأنصاري هذا أوصى بكيرًا بأهل بيته، فكان هناك يهودي يأتي إلى تلك المرأة ويراودها عن نفسها، فقام بكيرٌ فقلته.فلما قتله وُجد هذا اليهودي مُلقًا في أحد أحياء المدينة مدرجًا في دمائه فحُمل، فقام عمر رضي الله عنه وهو أمير المؤمنين على المنبر فخطب خطبةً ثم قال: أنشد الله كل رجلٍ يعرف عن هذا القتيل شيئًا إلا أخبرنا، فقام بكيرٌ والناس يسمعون وقال: أنا قتلته يا أمير المؤمنين، فتعجب عمر من صراحته وجرأته، قال: ما دفعك إلى هذا؟ فأخبره القصة، فتذكر عمر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فتركه ولم يصنع به شيئًا إكرامًا لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه جعل دم اليهودي في هذه الحالة أنه مُهدر.والذي يعنينا أن بكيرًا هذا خدم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، فهؤلاء جميعًا رضي الله عنهم وأرضاهم شرفوا بخدمة سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه.

    ذكر مواليه صلى الله عليه وسلم:
    (زيد بن حارثة بن شُراحيل الكلبي، وابنه أسامة بن زيد، وكان يقال لأسامة بن زيد: الحب بن الحب.
    وثوبان بن بجدد؛ وكان له نسب في اليمن.وأبو كبشة من مُولدي مكة. يقال: اسمه سُليم، شهد بدرًا، ويقال: كان من مُولدي أرض دوس.وأنسةُ مُولدي السراة.وصالح، شقران. ورباح، أسود. ويسارٌ، نوبي.وأبو رافع، واسمه أسلم. وقيل: إبراهيم، وكان عبدًا للعباس، فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه.وأبو مويهبة، من مُولدي مزينة. وفضالة، نزل بالشام.ورافع كان لسعيد بن العاص فورثه ولده، فأعتقه بعضهم، وتمسك بعضهم، فجاء رافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستعينه، فوُهب له، وكان يقول: أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.ومِدعم، أسود، وهبه له رفاعة بن زيد الجذامي، وكان من مولدي حِسمي، قتل بوادي القرى.
    وكركرة، كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم.وزيد، جد هلال بن يسار بن زيد، وعُبيد.وطهمان، أو كيسان، أو مهران، أو ذكوان، أو مروان.ومأبور القبطي، أهداه المقوقس.وواقد، وأبو واقدٍ، وهشام، وأبو ضميرة، وحنين، وأبو عسيب، واسمه أحمر، وأبو عبيد.وسفينة كان عبدًا لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقته، وشرطت عليه أن يخدم النبي صلى الله عليه وسلم حياته، فقال: لو لم تشترطي علي ما فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    هؤلاء المشهورون، وقيل: إنهم أربعون.
    ومن الإماء: سلمى أم رافع، وبركة أم أيمن، ورثها من أبيه، وهي أم أسامة بن زيد، وميمونة بنت سعدٍ، وخضرة، ورضوى )

    ذكر المصنف هنا موالي النبي صلى الله عليه وسلم، والمولى في اللغة تُطلق على أربعة أو أكثر –وهذا من الفوائد–:
    • تُطلق على السيد، فتقول للغلام: أين مولاك؟
    • وُتطلق على العبد إذا أُعتق فيُصبح ولاؤه لسيده، فيُقال له: مولى بني فلان، أي أن ولاءه لهم، كان عبدًا عندهم ثم أُعتق، وهذه هي التي أرادها المصنف حينما قال ( ذكر مواليه صلى الله عليه وسلم )
    • وتُطلق على النصير والظهير، ودليلها من القرآن ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا
    مَوْلَى لَهُمْ ﴾ [محمد: 11]، أي أن الله نصيرٌ وظهيرٌ للمؤمنين، والكافرين ليس لهم ظهيرٌ ولا نصيرٌ.
    • وتُطلق على الرب جل جلاله، ودليلها من القرآن ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ
    أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ [الأنعام: 62]، فمولاهم هنا بمعنى ربهم، ليست بمعنى نصيرهم لأن الله ليس نصيرًا ولا ظهيرًا للكفار.
    هذه كفائدة لغوية، أما الموالي المقصود بها هنا من كان عبدًا ثم أُعتق، وقد بدأ المصنف بزيد بن حارثة وابنه أسامة، فأما زيدٌ وأسامة فهما حبَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أسامة حبًّا جمًّا، وأسامة هو الذي طلبت قريشٌ منه أن يتشفع عند النبي عليه الصلاة والسلام فقال له ( أتشفع يا أسامة في حدٍ من حدود الله )، لعلم المخزوميين من قريش بمكانة أسامة عند النبي عليه الصلاة والسلام.
    وقد كان زيدٌ أبوه أبيضًا، وكان أسامة أسمر اللون، فكان هذا يثير التساؤلات عند الناس، وكان هذا يحدث أسًى في قلبه صلى الله عليه وسلم، أي التساؤلات التي يثيرها الناس من كون أسامة يختلف لونه عن لون أبيه، حتى ناما ذات يومٍ بجوار بعضهما وظهرت أقدامهما دون أن تظهر وجوههما فجاء رجلٌ من بني مدلج له علمٌ بالقفاية والأنساب والأثر، فلما نظر إلى قدمي أسامة وقدمي زيد وهو لا يعرف أن هذا أسامة وهذا زيدٌ ابنه، وإنما نظر إلى الأقدام بعضها سمراء وبعضها بيضاء، قال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فتهلل وجهه صلوات الله وسلامه عليه وظهر الفرح عليه ودخل على عائشة تبرق أسارير وجهه وهو يقول ( أما علمت أن فلانا المدلجي نظر إلى أسامة وزيد فقال كذا وكذا )، لأن الإنسان إلى أحب شيئًا أحب ما يتعلق به وأحب ما يفرحه، وإذا أبغض شيئًا –عياذًا بالله– أبغض ما يتعلق به، فكان صلى الله عليه وسلم مُحبًّا لزيدٍ ومُحبًّا لأسامة، فكان يحب أي شيء يدخل الفرح أو يظهر الكرامة أو الفضل لأسامة ولزيدٍ رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما.
    فهما موالي النبي عليه الصلاة والسلام، وزيدًا كان عبدًا للنبي عليه الصلاة والسلام أهدته إياه زوجته خديجة ثم أعتقه صلوات الله وسلامه عليه.
    وممن ذكر المصنف رحمة الله عليه من الموالي سفينة، واسمه على الأشهر مهران، وأما سفينة فلقبٌ قيل إن النبي عليه الصلاة والسلام أطلقه عليه كما رواه الإمام أحمد بسندٍ حسن، كان يحمل المتاع فألقى الصحابة رضي الله تعالى عنهم متاعهم في ردائه، فكأن الرداء حمل أكثر من المعهود، فقال النبي عليه الصلاة والسلام ( بل أنت سفينة )، كناية على أنه يحمل شيئًا غزيرًا، فقال سفينة: فلو أنني حُمِّلت حمل بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة لحملتها من قول النبي صلى الله عليه وسلم.

    سفينة وإذعان الأسد له :
    وسفينة هذا أدرك زمن عثمان، وركب البحر فرمت به ألواح البحر، كان مُتكئًا على لوح قارب في البحر فضربتهم الأمواج ورماه البحر إلى أجمة –يعني غابة–، فلما رماه البحر إلى أجمة ضل الطريق فرأى الأسد، فلما أبصر الأسد –والعرب تُسمي الأسد أبا الحارث–، فلما رآه سفينة أخذ ينظر إلى الأسد ويقول: يا أبا الحارث أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطأطأ الأسد رأسه وأقبل على سفينة وحمله على عاتقه وخرج به من الغابة حتى دله على الطريق، ثم رجع قليلا، ثم أقعى على ذنبه، ثم أخذ يهمهم كأنه يودعه،
    فهذا كما قال العلماء وحشٌ كاسرٌ وسبعٌ مُفترس لما علم أن الذي بين يديه مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم تغير طبعه وتغير حاله، فالمؤمنون أولى أن يكونوا أرق قلوبًا وعاطفة مع بعضهم البعض في المقام الأول، لماذا؟ لأن يجمعني ويجمعك شهادة التوحيد ومحبتنا لرسول صلوات الله وسلامه عليه.
    وممن كانوا من موالي النبي صلى الله عليه وسلم كُثر، لكن ذكر المصنف بعضًا منهم، ثم ذكر زيدًا وذكر أسامة وذكر سفينة، وهؤلاء أشهر موالي النبي عليه الصلاة والسلام.
    وذكر من النساء أم أيمن، وهي اسمها بركة، وهي إحدى حواضن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبها، وهي زوجة زيدٍ رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    ذكر أفراس رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    (أول فرس ملكه: السكب، اشتراه من أعرابي من بني فزارة بعشر أواق، وكان اسمه عند الأعرابي الضرس، فسماه السكب، وكان أغر محجلًا طلق اليمين، وهو أول فرس غزا عليه، وكان له سبحة، وهون الذي سابق عليه، فسبق، ففرح به.
    والمرتجز: وهو الذي اشتراه من الأعرابي الذي شهد له خزيمة بن ثابت، والأعرابي من بني مرة.وقال سهل بن سعد الساعدي: " كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندي ثلاثة أفراس: لزاز، والضرب، واللحيف. فأما لزاز: فأهداه له المقوقس، وأما اللحيف: فأهداه له ربيعة بن أبي البراء، فأثابه عليه فرائض من نعم بني كلاب، وأما الضرب: فأهداه له فروة بن عمرو الجذامي.وكان له فرس يقال له: الورد، أهداه له تميم الداري، فأعطاه عمر، فحمل عليه، فوجده يباع.وكانت بغلته الدُلدُل، يركبها في الأسفار، وعاشت بعده حتى كبِرت وزالت [أسنانه]، وكان يجش لها الشعير، وماتت بينبع، وحماره [عُفَير] مات في حجة الوداع.
    وكان له عشرون لقحة بالغابة، يراح إليه كل ليلة بقربتين عظيمتين من لبن، وكان فيها لقاح غزار: الحناء، والسمراء، والعريس، والسعدية، والبغوم، واليسيرة، والريا.وكانت له لقحة تدعي بردة، أهداها له الضحاك بن سفيان، كانت تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان.وكانت له مهرة أرسل بها سعد بن عبادة من نعم بني عقيل. والشقراء.وكانت له العضباء، ابتاعها أبو بكر من نعم بني الحريش، وأخرى بثمانمائة درهم، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعمائة درهم، وهي التي هاجر عليها، وكانت حين قدم المدينة رباعية،وهي القصواء والجدعاء، وقد سُبقت، فشق على المسلمين.
    وكان له منائح سبع من الغنم: عجرة، وزمزم، وسقيا، وبركة، وورسة، وأطلال، وأطراف.وكان له مائة من الغنم )

    هذه الأخبار جملةً بعضها قد لا يكاد يثبت، لكن الذي يعنينا حرص سلف الأمة رضي الله عنهم ورحمهم الله على كل ما يتعلق بنبينا صلى الله عليه وسلم، حتى إنهم دوّنوا ما كان يركبه صلى الله عليه وسلم وما كان يملكه من الدواب، وهذا أمرٌ محمودٌ لهم، وقد كان السلف كذلك من عنايتهم بكل ما يتعلق به صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يؤكد ما قلناه من قبل أن من أحب شيئًا أحب ما يتعلق به.
    أما ما ذكره المصنف فبالنسبة لك كطالب علمٍ لا يلزم حفظ هذا كله، لكن هو المقصود عندما تتذكر الأحاديث تربط الأحاديث الفقهية أو غير الفقهية بما سمعت الآن في السيرة، فمثلا حديث خزيمة بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى فرسًا من رجلٍ من بني مرة لم يكن هناك شاهد، فكأنهما اختلفا في أمر فطلب الأعرابي شاهدًا يشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى منه هذا الفرس، لأن النبي عليه الصلاة والسلام اتفق معه على سعر، ثم أن الأعرابي كأنه طمع فقال ما بعتك بهذا السعر أريد سعرًا أرفع، فقال النبي عليه الصلاة والسلام ( إنك بعتني إياه، سبق أن انتهينا من الأمر )، فلم يجد شاهدًا، فجاء خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه وأرضاه وقال: أنا أشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتراه منك بكذا وكذا، فلما شهد قال له عليه الصلاة والسلام ( كيف تشهد؟ ) وهو يعلم أنه لم يحضر، فقال: يا رسول الله إنني أصدقك بخبر السماء ـ أو كلمةٍ نحوها ـ أفلا أصدقك أنك اشتريت فرسًا من أعرابيٍّ بكذا وكذا، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين.
    وهذا يُسمى –إن صح التعبير– في علم الاجتماع، الإنسان أحيانًا يرزقه الله موهبة انتهاز الفرص الحسنة، وذكرنا على هذا أمثلة من السيرة كأبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام لما دخل المدينة كان فيها حيَّان عظيمان، الأوس والخزرج، فكان راكبًا على الناقة فيقول له الخزرج: هلم إلى هاهنا يا رسول الله، يقول ( خلو سبيلها فإنها مأمورة )، ويقول الأوس نفس القضية ويقول عليه الصلاة والسلام ( خلو سبيلها فإنها مأمورة )، فلما بركت الناقة وقامت تركها النبي صلى الله عليه وسلم حتى تبرك ولم ينزل، ثم قامت وجالت جولة ثم رجعت وبركت في موطنها الأول، هنا لم ينزل عليه الصلاة والسلام حتى لا يقولن قائل لو نزل عند الأوس لقال الخزرج مال علينا من أول يوم، ولو نزل عند الخزرج لقالت الأوس ذلك وبقي على الناقة. فجاء أبو أيوب الأنصاري، وهذا الذي نتحدث عنه عن انتهاز الفرص، فعمد إلى متاع النبي عليه الصلاة والسلام وأدخله بيته، فلما أدخله بيته حُسم الأمر، فلما جاء الناس المجاورون للأرض التي أصبحت بعد ذلك مسجدًا يقولون: يا رسول الله هاهنا هاهنا قال عليه الصلاة والسلام ( المرء مع رحله )، فظفر أبو أيوب رضي الله عنه وأرضاه بسكنى النبي عليه الصلاة والسلام عنده من دون غيره من الأنصار لتبكيره وانتهازه للفرصة الحسنة هنا.
    كذلك خزيمة بن ثابت، كل الصحابة أصلا من أبي بكر فمن دونه –وليس فيهم من يُسمى بالدون– يصدقون النبي عليه الصلاة والسلام بخبر السماء، لكن خزيمة استغل الأمر أكثر من غيره وقال: أنا أشهد، ومعلومٌ لما يُقال هذا الأمر النبي عليه الصلاة والسلام لم يرد شهادته، فظفر بأن شهادته بشهادة رجلين رضي الله عنه وأرضاه، وهذه من المناقب المحمودة في الرجال.

    إذا هبت رياحك فاغتنمها *** فـــإن لكل خافقة سـكون
    و إن درت نياقك فاحتبلها *** فلا تدري الفصيل لمن يكون

    هذه أسباب يضعها الله تبارك وتعالى في الناس، هذا يصيب وهذا يُخطئ، لكن هذه سنن الله في الخلق، وإذا أراد الله شيئًا هيَّأ أسبابه.
    ونقف عند العضباء وهي القصواء لمُسمًّى واحد،
    وهي الناقة –إذا صح التعبير– الرئيسة التي كانت تحمل النبي عليه الصلاة والسلام، والتي حملته في الهجرة، وحملته في يوم عرفة، حلمته في الحج وحملته في الهجرة، وهذه الناقة كانت لا تكاد تُسبق، فجاء أعرابيٌّ بقعود فسابق هذه الناقة وسبقها، فلما سبقها شق ذلك على الصحابة، لماذا شق على الصحابة؟، نُعيد نفس القاعدة، إن من أحب شيئًا أحب ما يتعلق به، الصحابة ما الذي يعنيهم أن قعودًا يسبق ناقة؟! لا يعنيهم شيءٌ، لكن شق عليهم وتغير حالهم أن هذه الناقة ناقة من؟ ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هنا جاء التأديب النبوي للأمة،
    وهذا من أعظم وسائل تربية الناس على التوحيد أن يُربوا عمليًّا، فإن متون التوحيد على جلالة قدرها مما دونه العلماء أمرٌ عظيم لا خلاف فيه، لكنه لا يُدرس التوحيد بشيءٍ أكثر من تدريس كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الأمة التوحيد، الآن ناقة تُسبق أين التوحيد في ناقةٍ تُسبق؟، فلما سُبقت الناقة وتغير وجوه الصحابة قال صلى الله عليه وسلم ( إنه حقٌّ على الله ألا يرفع شيئًا إلا وضعه )، لا يرتفع شيءٌ إلا وضعه الله .
    هذا هو التوحيد، أين التوحيد؟، الشمس والقمر فتنةٌ للناس، ولذلك كتب الله على الشمس والقمر الكسوف والخسوف حتى يُعلم أنا مهما بلغت قابلة للنقصان، وجهه صلى الله عليه وسلم ليس هناك وجهٌ أشد نورًا من وجهه عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك يُشج وتُكسر الرباعية وينزل الدم، لأنه مهما بلغ فهو وجه مخلوقٍ، كل من حولك من العظماء يريك الله جلّ وعلا فيهم آية تدل على أنهم بشر تجري عليهم أحكام البشر، انظر إلى جمعٍ من الممثلين والممثلات ممن يوصفون بالجمال، غالبهم يموت بمرضٍ يشوه جماله، حتى آخرهم موتًا، كنت أدرس في المدينة، آخرهم موتًا –ولا أتكلم عن أسماء– عفا الله عنه وغفر الله له، الجنة والنار ليس لنا فيها سبيل، هذا الرجل كان فتنة في زمانه قديمًا لكثيرٍ من الصبايا والنساء، فلما قربت وفاته دخلته أمراض حتى تغير وجهه حتى إن أهله كانوا يخفون وجهه عن الناس، حتى مات ووري في جنازة مستورة حتى لا يرى الناس وجهه بعد أن رأوه أنه كان فتنة في السابق، فسنة الله في خلقه أن كل شيءٍ مهما عظم يعتريه النقص، قال الله جلّ وعلا ﴿ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ
    هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: 88] ، وقال سبحانه ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿26﴾ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: 26، 27].
    فكل عظيمٍ مهما ارتقى فينزل، ونبينا صلى الله عليه وسلم لما ساد الجزيرة ودخل مكة فاتحًا وخطب الناس في خطبة الوداع وبلغ الأمر منتهاه مرض وأصابته الحمَّى وأصبح وهو سيد الخلق الذي جاهد في أرجاء الجزيرة كلها يعجز أن يصل إلى المسجد، ثم كان عليه الصلاة والسلام أفصح من نطق الضاد وأفصح الفصحاء وسيد البلغاء يعجز أن يتكلم ويدعو لأسامة بصوتٍ مرتفع، بل يصل إلى أنه يرى السواك –كما قلنا قبل درسين– ولا يستطيع أن يقول أعطوني السواك، فسبحان ربنا الذي لا شيء مثله، ولا نظير له ولا ند، وهو الذي يرينا عظمته وجلاله وكماله وقدرته، وأنه تبارك وتعالى ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير، يرينا هذه الآية في كل غدوة ورواح، لكن المتعظين بتلك الآيات قليل، جعلني الله وإياكم من أولئك القليل.
    هذا ما يتعلق سبق القصواء من قبل القعود الذي مع الأعرابي.
    مما يتعلق بذكر أفراسه ودوابه عليه الصلاة والسلام أنه كان عليه الصلاة والسلام بشرٌ من الناس، يعيش كما يعيش الناس، يركب كما يركبون، ويمشي كما يمشون، ويفرح كما يفرحون، فلما سبق فرسه فرح، ولما رأى فرسًا أعجبه اشتراه، وقلما نُقل عنه البيع، البيع في حياته صلى الله عليه وسلم قليل، أما الشراء فهو كثيرٌ، فكان يشتري ما كان يعجبه، وكان يأخذ ويعطي ويفاوض ويبيع ويساوم، وسمحًا إذا باع وسمحًا إذا اشترى.
    فهذا كله يدل على أنه بشر، وقد كان القرشيون يتعجبون في أول الأمر كيف يكون هذا نبيًا ويقولون ﴿ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان: 7]، فأخبره الله جلّ وعلا بآياتٍ عديدة أن الدنيا ليست مكافأةً لأحد، ولو كانت مكافأةً في ذاتها فلمنعها الله جلّ وعلا أهل الكفر، فعاش نبيه صلى الله عليه وسلم بشرًا كما يعيش الناس، ونُعِّم أهل الكفر، بعضهم ينعم وبعضهم لا ينعم، تجري على الجميع أحكام الله جلّ وعلا القدرية، ولا علاقة لها بالإيمان ولا بغيره. لكن الآخرة هي دار الجزاء، فالله يقول في "الزخرف" ﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴿33﴾ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ﴿34﴾ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 33–35]، فجعل الله جلّ وعلا الآخرة هي دار التقوى، ولما كان يحمل الّلبِن ويحمل أصحابه اللبن كان عمّار يحمل لبنتين لبنتين، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم عمار أنه يحمل لبنتين لبنتين فقال ( ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية )، ثم قال ( اهتدوا بهدي عمّار )، الشاهد منه لما أراد أن يبث فيهم العلاقة الأخروية قال لهم عليه الصلاة والسلام يدعو ( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة ).
    فالمؤمن وطالب العلم في المقام الأول لا يجعل من العلم حظًا للكسب الدنيوي، وإنما يجعل العلم الذي علم به سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه وفقهه وما إلى ذلك طريقًا إلى الآخرة، وكلما كان للإنسان حظٌ من الدنيا بعلمه قل حظه في الآخرة وقل قبول علمه عند الناس في الغالب.
    العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغفر له لما بُشر بأنه فاز بجائزة الملك فيصل العالمية حاول الصحفيون أن يجعلوا من فوزه بها مادةً ثريةً في الصحافة، واتصل به أحد الصحفيين ليهنئه ويسأله عن مشاعره فقال الشيخ رحمه الله ﴿ وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 35]، ثم أقفل الهاتف وأنهى المكالمة، فالعالم الرباني بحق هو من ينشد ما عند الله وأجر الآخرة، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه العلماء وطلبة العلم في المقام الأول.

    فبادره وخذ بالجد فــيه *** فإن أعطاكه الله انتفعت
    وإن أوتيت فيه طويل باع *** وقال الناس إنك قد رأست
    فلا تأمن سؤال الله عنه *** بتوبيخ علمت فهل عملت

    وإنما العلم العمل، والله جلّ وعلا يقول ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]، هذا أهم ما يمكن أن يكتسبه الإنسان في هذه المقطوعة من السيرة.

    وصلى اللهم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

    ---------------------------------------
    ( 1 ) ملاحظة : الكتابة بالخط الأخضر هي المتن .
    [1] ولعل الأصح "استعاذت منه"، فقد ثبت عند البخاري ومسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ
    سَعْدٍ قَالَ : ( ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا
    فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا فَلَمَّا كَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ قَالَ قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّي...) .


    الأيام النظرة في شرح السيرة العطرة ( 6 )

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت سبتمبر 22, 2018 7:35 am